إخوان الصفاء

159

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

في مركز العالم ، وذلك أن المعرفة بحالها وبكيفيّة وقوفها في الهواء ، من العلوم الشريفة ، لأن عليها وقوف أجسامنا ، ومنها بدأ كون أجسادنا ونشوؤها ومادّة بقائها ، وإليها عودها عند مفارقتها نفوسها . وأيضا ، فإن النّظر في هذا العالم يكون سببا لترقي همم نفوسنا إلى عالم الأفلاك مسكن العلّيّين ، ويكثر جولان أفكارنا في محلّ الرّوحانيّين . وكثرة أفكارنا في عالم الأفلاك تكون سببا لانتباه نفوسنا من نوم الغفلة ورقدة الجهالة ، ويدعوها ذلك إلى الانبعاث من عالم الكون والفساد إلى عالم البقاء والدّوام ، ويرغّبها في الرّحلة من عالم الأجساد وجوار الشّياطين إلى عالم الأرواح وجوار الملائكة المقرّبين . وقد ذكرنا في هذه الرّسالة طرفا من كيفيّة صورة الأرض وصفة الرّبع المسكون منها ، وما فيه من الأقاليم السّبعة ، ومن البحار والجبال والبراري والأنهار والمدن ، ليكون طريقا للمبتدئين بالنّظر في علم الهيئة وتركيب الأفلاك ، وطوالع البروج ، ودوران الكواكب ، ويقرب تصوّرها في أفكار المتعلّمين ، ويسهل تأمّلها للمتفكرين في ملكوت السّماوات والأرضين الذين يقولون : « رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا ، سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ » وقال اللّه تعالى : « وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ » . وقال : « وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ » .